قراءة فى كتاب Egypt panted and described by r.talbot Kelly

El-Tahawy Saoud

 

قراءة فى كتاب

    Egypt panted and described by r.talbot kelly

1901   ONDODNL



كثيرون هم الكتاب الأجانب ، أونقول المستشرقين أوالزوَّارالذين كانت مصر قبلتهم بل الشرق بأجمعه ، جائوه طمعاً فى كنوزه وسحره وجائوه فى مهمات مخفيَّة ظاهرها الجغرافيا والتاريخ والبحوث ، مما دونوه فى الحقيقة كثيرمن المواقع التاريخية الخاصة بالمجتمع المصرى والأحداث والعادات والتقاليد والأوصاف والتى يندر ما نعرف عنها شيئا الآن ما لم نبحث عنه فى كتبهم ، ويكفى الباحث الآنى شرف إكتشافه وإطلاعه على جديد بين مطويِات تاريخية مر عليها قرون ، فيضيفها إلى ما عنده من مخزون تاريخى تراثى ثقافى فتكتمل المعلومة بل وتتضح الرؤية والتى تمكنه فى نهاية الأمر من وضع سطوركتابه فى مكانها الصحيح وتصحيح بعض المفاهيم .

ينجح الجعران في تشكيل نفق من الهواء الطلق إلى كنزه المخفي في الأسفل، والذى قام بتشكيل كرة من روث الخيل ليقفل بها نفقه بعد دخوله فيه ، كيف يتم ذلك اللغز؟ حيث لا يتم استخدام أي مساعدة اصطناعية، وببساطة مع الرأس والكتفين  يتم تنظيف الممر، وتبقى الرمال أعلاه لتتويج القوس ، توفرالفراشات والحشرات الأخرى ذات الأجنحة الزاهية الطعام للقُبَّرة أو الزرزور والتي بدورها توفرعشاءً للصقر.

 إن الرمال السطحية مليئة بالحصى الملون، من بينها العقيق والعقيق اليماني والعقيق الأحمروالصوَّان، بينما تثبت المحارالأحفوري والتحجَّرات الأخرى ، أنها كانت ذات يوم قاعًا للمحيط ، جلبت الفيضانات الأحدث مساهمتها من السماقي أو الحجر الرملي؛ ويضيف الكنكرى البركاني والتكتل صفحة أخرى إلى العديد من صفحات تاريخها .

هكذا هي الصحراء الطبيعية جزئيًا، والتي تحمل في طياتها الكثير من السحر بالنسبة للجيولوجي أوعالم النبات أو دارس حيواناتها، ولكن ماذا بالنسبة للفنان؟ مساحة لا حدود لها من الرمال المتنوعة المسطحة أو المتموجة بالتناوب، والتي تمتد في تعديلات دقيقة لدرجات ألوانها، إلى مسافات يصعب تحديدها، البقع الصغيرة من السحب والتلال المنخفضة، الوردية أوالأرجوانية الرقيقة في الهواء المُغطى بأشعة الشمس، والتي تظهر من وقت لآخر فوق الأفق، لا تؤدي إلَّا إلى قيادة الخيال إلى ضخامة هجرها وراءها ، الصخور البارزة أوالجلاميد المتدلية الحمراء والمحترقة من الشمس، تلقي بظلالها الزرقاء على الرمال، التي تكُسب اللون رقةً على النقيض من الخضرة والرمادية لنباتاتها، هناك بريق برَّاق وشفافية واضحة للضوء حول كل شيء، وهو في غاية الجمال، وهو مكان شعري للحياة الرومانسية للبدوالذين يسكنونه.

الشيخ سعود والشيخ عليوة الطحاوى

كان أوَّل تعارف لي على البدوعرضيًا، ولكن لحسن الحظ كان في ظروف لطيفة، مما أدى إلى دعوتي من قبل شيخ لزيارة مخيمه ، وسرعان ما وجدت نفسي ضيفًا على الشيخ سعود الطحاوي والشيخ عليوة ، زعيمي عرب الهنادى اللذين كانا يخيمون آنذاك في صحراء السويس .

وصلنا إلى المخيم عند غروب الشمس تحت حراسة مجموعة من فرسان القبيلة، وقادتنا عَدوتنا الأخيرة إلى خيمة الشيخ ، حيث كان هو وأبناؤه في انتظارنا، ساعدنا الشيخ على النزول ورحب بي، ثم قادني إلى خيمتي وأضاف: "هذا المنزل لك، افعل به ما تشاء ، سعدت بإحضار الماء، وقمت بغسل الوجه واليدين والقدمين قبل أن أترك للراحة على الوسائد في الخيمة، وإنشغل الشيخ بالإشراف على إعداد وجبة العشاء.

بينما كنت أستريح، ناداني زعماء القبيلة واحدًا تلوالآخر لتقديم احتراماتهم، خلعوا أحذيتهم عند المدخل، وتقدموا بالتناوب مع العديد من السلامات، كل واحد ينطق بكلمة واحدة "مرحبًا"؛ ثم جلسوا في صف طويل على الجانب الآخر من الخيمة، ناقشوني بنبرة خافتة ، لم يتحدث إليّ أحد دون أن يخاطبني، وحتى الشيخ نفسه لم يكن ليجلس على السجادة بجانبي دون دعوة.

كانت الوجبة تشبه إلى حد كبير غيرها من الوجبات التي وصفتها، على الرغم من أن الخبز كان ألذ، ومن بين الأطباق الأخرى الجديدة بالنسبة لي كان "القُمّص" (أوحليب الفرس المُخثّر)، وجبن حامض وحُبيبي نوعًا ما مصنوع من حليب الإبل، كانت آداب المائدة هي نفسها، بعد إعداد وجبة خفيفة، نهض الشيخ حتى يتمكن أبناؤه الذين خدمونا حتى الآن من الإستمتاع بشرف "كسرالخبز" مع الضيف، في هذه الوجبة الأولى قُدّم الملح وأكله جميع الحاضرين، على الرغم من أنه لم يظهر في الوجبات اللاحقة حرمانًا واضحًا للأوروبيين .

مع حلول الليل، تُشعل نار كبيرة من أكوازالذرة (الكوالح) والشجيرات في الخيمة، ويتجمع الجميع حولها للإستمتاع بالدفء الممتع، فبعد درجة حرارة ظليلة ترتفع في منتصف النهار، ويكون انخفاض درجة الحرارة ليلاً ، وغالبًا ما تكون الليالي شديدة البرودة.

يُطرح السؤال بشكل طبيعي، كيف يشغل هؤلاء العرب أنفسهم؟ رعاة وبدو لأجيال يوجهون انتباههم بشكل أساسي إلى رعاية قطعانهم الكبيرة من الأغنام والماعزوتربية الإبل والخيول ، السرقة التي غالبًا ما يرتبط بها إسمهم عادة ما تكون عرضية إلى حد ما وليست عادة، ومن وجهة نظرهم مبررة إلى حد ما.

يعتمد العرب الذين يرتحلون بدافع الضرورة لا الإختيار، على إمدادات المياه والأعلاف المتاحة، وأثناء مسيرتهم يستخدمون خيامًا صغيرة يسهل نصبها أوتخزينها ، عندما يكون إمداد هذه الضروريات كافيًا، تُقام معسكرات دائمة حيث تُنصب خيام كبيرة الحجم، وعادةً ما تكون محاطة بمجمع مُسوّربسيقان "الذُرة"، بينما غالبًا ما يُقام "نُزل" من الحجر أو الطين كبيت ضيافة ولأن مُخيم الهنادى هذا نموذجي للمنزل الدائم دعوني أصفه بالكامل :

تتميز الخيام بأبعاد ملكية، وغالبًا ما تغطي مساحة 2000 قدم مربع، ويبلغ ارتفاعها حوالي5 اقدام في المنتصف ، وتنحدر إلى حوالي قدمين على الجانبين، يُصنع قماش الخيمة من شعر الماعز، ويُنسج بخطوط عريضة من الأسود والأخضر والكستنائي والأبيض، ويُخاط معًا، تتدلى من الدرزات شُرَّابات طويلة تُعلَّق فيها أقمشة أخرى لتقسيم الكل إلى حجرات عند الحاجة.

يوجد حول الجدران الجانبية العديد من الصناديق المطلية التي تحتوي على ملابس أوأدوات والسجاد والبطانيات المستخدمة في الفراش، وسروج الجمال والخيول، وجميع مستلزمات الصيد أو المنزل المختلفة، والتي عادةً ما تضم نولًا يدويًا لنسج أقمشة الخيمة ، تُفرش السجاد على الرمال، ووسائد متناثرة حولهم للإستلقاء، في الزاوية يوجد "زير" أو جَرَّة ماء كبيرة، وبجانبها "كُباية" أو كوب شرب من النحاس الأصفر ، في الرمال يوجد نصف وعاء فخاري كبيرمدفون ، يُستخدم كموقد، بينما ربما تُكمِّل بعض المصابيح المصنوعة بشكل غريب قائمة الأثاث.

يتميز البدو أنفسهم بمظهرهم اللافت، فهم طوال القامة، وأقوياء في حركتهم، ولديهم عين ثاقبة وأنف معقوف كالساميين، غالبًا ما يكونون وسيمين، وهناك هالة من القوة الرجولية حولهم ، نابعة من تقاليد وعادات الحرية، جادون في سلوكهم وليس لديهم أيً من تلك الضوضاء التي تميز المصريين، الكرامة والتحفظ فضيلتان في نظرهم، كما أستنتج من الملاحظة التي أدلى بها أحد الشيوخ لآخر بمناسبة زيارتي الأولى: "أنا أحب هذا الرجل، فهو لا يصدر ضوضاء ولا يضحك!"

بطبيعتهم كل شيء يتعلق بهم له ارتباطات شخصية، تُغزل أقمشة الخيام وتُنسج وتُصبغ من قبل نسائهم وأطفالهم، وكذلك أقمشة السروج والزخارف، وبالتالي فهي ذات قيمة كبيرة لدرجة أن أي مال لن يشتري أبسط منتج من عمل زوجاتهم ، على الرغم من أنها قد تُقدم في كثير من الأحيان كرمز للإحترام، عادةً ما يكون الرجل متزوجاً من زوجة واحدة، وتكون مساعدة ورفيقة لسيدها، وتتعامل مع أطفالها بإخلاص واحترام؛ وأعتقد أن الكلمة العربية "وطن" هي المعادل الوحيد في أي لغة للكلمة الإنجليزية "منزل"، سمة أخرى في الشخصية العربية تميزه عن جاره المصري هو حبه للحيوانات الغشيمة، فبينما يكون المصري قاسيًا غريزيًا على الوحوش، يحب البدوي حصانه أو جمله ، ويربي كلابه كحيوانات أليفة، وفي خيامهم دائمًا عدد قليل من كلاب الصيد الصحراوية ، وفي كثير من الأحيان زوجان من الغزلان الأليفة، بينما بين عرب الصحراء الليبية، يتم تدريب "الفهد" أو نمر الصيد للرياضة، وغالبًا ما يكون حيوانًا أليفًا.

الحياة اليومية للبدوي مصوَّرة بشكل غريب، وتوحي بوضوح بأيام الكتاب المقدس ، هنا راعٍ يقود قطيعه المرقط بحثًا عن المرعى أوالماء، ومعه بندقيته الطويلة جاهزة، يحرس بحذر من هجوم الذئب المفاجئ، أو أثناء سيره  يغزل بمهارة خيوطًا من الصوف من صوف قطيعه الممزق بواسطة أشواك الصحراء أو الشجيرات، مرة أخرى مجموعة من العرب يتدربون على ركوب خيولهم أو يقودون الجمال إلى أقرب بئر.

حول الخيام تدور الأحداث المنزلية على قدم وساق، هنا هاجر ذات العيون السوداء والوسيمة  تلعب مع ابنها البكر، الذي ينشر "الذُرة" بأيدي طفولية للدواجن والحمام التي ترفرف حولهم، وبجانبهم بالقرب منهم كلب ذو شعر خشن ذو عيون نعسانة ولكنه يقظ، يحرس الزوجين بمودة، تعمل النساء ذوات الرداء الأسود على الأنوال، أو ينشغلن في ضفر الشُّرَّابات لـ (هجن) ([1]) أسيادهن، وآخرون يطحنون الدقيق مرة أخرى في طاحونة اليد، أو يديرون صندوق برميلى صغير حديدي يُحمّصون فيه حبوب البن على نار "الكيزان"؛ والأطفال بملابسهم الزاهية يلعبون لعبة "الغميضة"  حول الخيام.

ترويض الأمهار

هذه بعض الصور القريبة منك اركب حصانك أو جملك واتبع الرجال وستجد المزيد منهم مثيرين، إليك مجموعة من الأمهار التي يجب ترويضها جميلة في حركتها وبريئة فى ضبط النفس، في البداية تقاوم مازحة كل الجهود المبذولة لتركيب الرشمة فى رؤوسها ، أخيرًا يُسرَج أحدهم ويُرشَّم، ويبدأ الوحش الجميل في إدراك (من مرحلة التوحش إلى مرحلة الإستئناس) أن فترة في حياته قد ولت، ويبدأ الآن صراعًا من أجل التفوق على الإنسان مستغلًا مفاجأته اللحظية، يركب العربي بسرعة ويجمع سُرعى الرشمة  بين يديه ، للحظة يظل المُهر ساكنًا تمامًا بُسخط مكبوت ، ثم بقفزة مفاجئة تُمزق أحيانًا أحزمة جسم الفارس وتتركه في التراب ، ينطلق الحصان في عَدوهائل ، يقاتل فيه ويغوص في محاولة عبثية للتخلص من حمولته غيرالمعتادة وبنفس السرعة التي بدأ بها، سيضع قدميه الأماميتين معًا (يتمترس بيداه) ممدودتان للأمام على الأرض ويتوقف تمامًا ثم إذا لم يكن هذا كافيًا، فربما يبدأ في الوقوف على قدميه ـ خلفيتيه، أوالقفز بسرعة من جانب إلى آخر، تُجرَّب كل خدعة ولكن دون جدوى، وأخيرًا ينطلق في خطوة طيران طويلة كما لوكان يركض إلى الأبد عبرالرمال المتلاطمة، تاركًا وراءه الكابوس المروِّع الذي حلّ به ، فجأة بعد ساعة أوساعتين تجد رجلاً منهكاً تشهد عيناه مُحمرتان ووجهه المشدود على شدة القتال، يركب ببطء إلى المخيم على حصان مكتئب يلهث ويرتجف ، والآن بالكاد يمكن إقناعه بالسيرعلى الأقدام بسبب عبارات (التودد ، الطبطبة) المشجعة التي بالكاد تستطيع تلك الشفاه الجافة نطقها ، لقد فازالرجل ولكن ستمر أيام عديدة قبل أن يتمكن من الاستمتاع بتلك الرحلة الأولى عندما يفكر هو وصديقه المطيع الآن ويتحركان كشخص واحد.

فروسية

الفروسية هي إحدى الفضائل الأساسية لدى البدو، التى تميزهم عن جيرانهم من عامة المصريون الذين لا يستطيعون ركوب الخيل"، ويعتمد جزء كبير من مكانتك بينهم على قدرتك على ركوب جملهم الصحراوي، من الغريب أنه مهما كان الحصان حسن السلوك واللطف مع سيده، فإنه دائمًا ما يتمرد على فارس غريب، والذي سيتعين عليه العودة إلى وحشيته ،

العرب فرسان ماهرون عالميًا، ويستمتعون بشدة برياضات الفروسية، إحدى الحيل الجميلة التي يقومون بها هي تحديد مسار بوضع جِرار ماء فخارية على كلا الجانبين بالتناوب، وعلى مسافة صغيرة بينهما ثم يحث الفارس حصانه على الركض بجنون، ويتدلى هو من السرج ويلتقط "قولة" من أحد الجانبين ثم يتأرجح، ويضعها على الأرض من الجانب الآخر، بينما يلتقط أخرى في نفس الوقت ، يتكررهذا مرارًا وتكرارًا بدقة وسرعة رائعتين، ونادرًا ما يكون ذلك على حساب إناء مكسور.

خدعة أخرى مُحيرة نوعًا ما للغريب، هي الإندفاع نحوك بالحصان مباشرة وأنت واقف، والتوقف فجأة أمامك مباشرة بحيث يكاد أنف الحصان يلامس أنفك أوتتجنب ذلك بانعطاف سريع حيث الإصطدام الذي يبدوحتميًا، تحظر قواعد الإتيكيت أي حركة من جانبك ، لأن ذلك قد يوحي بالشك في مهارة الفارس أي عدم ثقتك فى فروسيته .

لعبة الجريد



ومع ذلك فإن أكثر هذه الرياضات إثارة على الإطلاق هي "الجريد" أو لعب الرمح يحدث هذا عادةً عندما تلتقي قبيلتان صديقتان في مساحة صحراوية مناسبة، حيث تمثل كل قبيلة عدة مئات من الفرسان، الذين يصطفون في صفوف تواجه بعضها البعض على بعد ربع ميل أو أكثر،

ثم يركب بطل أحد الجانبين ويتجه إلى الصف المقابل ، ويتحدى أحدهم للقتال بإزدراء و(سخرية ـ  مستفزاً) منهم وسردًا متفاخرًا لمآثره ، عند ظهور البطل المنافس يجب على الأول أن يستدير ويطيرويطارده الآخر ويكون مسعاه هو الوصول إلى خطوطه قبل أن يمسك به مطارده ، إذا نجح في ذلك يستدير كلاهما، ويتم عكس موقعي المطارد والهارب، لكن الأمر ينتهي دائمًا بقتال شرس، وإن كان وديًا في المنتصف، حيث يسعى كل منهما بضربات رمح ثقيلة إلى إزاحة الآخر، قد يُوضع أحدهما أو حتى كليهما خارج نطاق القتال وغالبًا ما يكون ذلك مصحوبًا بكسر في الرأس أو كسر في أحد الأطراف


يظهر "أبطال" مختلفون ويختفون، حتى لا يتحمل حماس المتفرجين المكبوت الضغط بعد الآن، ويصرخ كل جانب بصرخة المعركة العائلية (صيحة الحرب) وتهاجم خطوط الفرسان المتعارضة بعضها البعض وتنخرط في معركة يائسة ، في المنتصف تكون الخيول وفرسانها متحمسين بنفس القدر، وغالبًا ما ينتج عن المشاجرة الإصابة الخطيرة، أو حتى الموت للعديد من المقاتلين، ومع ذلك لا يبدو أن هناك أي مشاعر سيئة، فعلى الرغم من اقتراب الحرب، إلَّا أنها ببساطة عرض ودي للشجاعة، حيث تُعتبر الوفيات برضا "إرادة الله".

هذه بعض الموضوعات التي تقدمها الصحراء للفنان، حيث تتنوع الحوادث البسيطة للحياة الأبوية من خلال "خيال" على ظهر حصان أو جمل أو إستدعاء العصورالوسطى لحفلة صيد بالصقور.

ومع ذلك فإن رسم لوحة في الصحراء أمر شاق للغاية إنها "أرض قاحلة وجافة"، حيث تكون الحرارة غالبًا شديدة، وحيث يضيف الجوع والعطش إزعاجهما إلى العديد من الصعوبات العرضية لعملك: وهج الضوء المنبعث لأعلى من الرمال المتلألئة، وتهيج ذباب الرمل، وفوق كل ذلك الشعور باليأس من الاقتراب من الجمال الرقيق لموضوعك ومع ذلك، يمكن غالبًا تخفيف العطش عن طريق مص حصاة بينما كما ذكرت من قبل فإن وضع القليل من الفحم أوالطلاء الأخضر على الجفون (خاصةً السُفلي) يخفف الوهج بشكل كبير.

ومع ذلك هناك مرحلة واحدة من حياة الصحراء ليست مزعجة للغاية فحسب، بل غالبًا ما تكون مصحوبة بالمخاطر، وهي العاصفة الرملية، معظم من زاروا مصر لديهم خبرة في القاهرة أو أعالى النيل ببعض مضايقات رياح الخماسين، لكن هذا قد لا يمنحهم فكرة توقع ما يعنيه الأمر للمسافرفي الصحراء، حيث لا يوجد مأوى يمكن الحصول عليه، ويشعرون بالتأثير الكامل للعاصفة.

في البداية يكون الهواء ساكنًا، لكنه حار وبلا حياة، بينما تتخذ السماء تدريجيًا مظهرًا مُغبرًا، حيث تظهر سُحبٌ مشؤومة في الجنوب الغربي ، في الأفق يُصبح الهواء الحارخانقًا أكثر فأكثر، مما يُنتج شعورًا بالخمول والإكتئاب، وهو شعورٌ مُزعج كما تُظهر الجمال والخيول علامات القلق، وتُصدرالأغنام ثغاءً مُثيرًا للشفقة من الخوف.

بعد ذلك، تُنذر نفحاتٌ صغيرة من الرياح، ساخنة كحرارة الفرن بقدوم العاصفة ومع ازدياد قوة الرياح، يمتلئ الهواء بضبابٍ مُغبر يكاد يكون من المستحيل رؤية وهج الشمس الخافت من خلاله ، تهب رمالٌ سافية ناعمةٌ كأكاليل الثلج عبرالصحراء، وتُصاب العيون بالعمى وتمتلئ الرئتان بالغبار الخانق ومع تطور العاصفة تتناثر شظايا صغيرة من الصخور أو الحصى الصغيرة في الهواء، وتقطّع الجلد كالسكاكين ، الشمس محجوبة تمامًا والرمال المتدفقة بإستمرارتتخذ تدريجيًا فى شكل أمواج متلاطمة ، تتناثر وتتكسر على الصخور مثل أمواج المحيط ، وتغلف كل شيء في المخيم ، وتكدس أطنانًا من الرمال العائمة عالياً على الخيام والأمتعة ثم يأتي الوقت الذي يكمن فيه الأمان في الحركة يتم تعبئة معدات المخيم على عجل فوق الحيوانات المذعورة ، وتبدأ المجموعة في الركوب بشكل غير مباشر عبر العاصفة ، من أجل عبور طريقها، أوالعثور على مأوى في نتوء جبلي، البقاء ساكنًا يعني أن تكون مغطى ومُدفئا، بينما الركوب يسبب إزعاجًا لا يوصف.

يتم لف (الكوفية)  ([2]) الحريرية بإحكام حول رأسك، يغطي فمك وأنفك، ويترك عينيك فقط مكشوفتين، وهو ما على الرغم من أنه يحمي وجهك من الشظايا المتطايرة، إلَّا أنه يزيد من حرارتك واختناقك حتى لو لم تتشقق شفتاك قرب الماء أو يجف الماء فلا يمكنك التوقف عن الشرب، والطعام بعيد المنال أيضًا، "جائعًا وعطشانًا، تموت روحك في داخلك"، ساعة بعد ساعة تركب حتى تهدأ العاصفة أو تجد مأوى يُنهي بؤسك.

لحسن الحظ ليست جميع العواصف الرملية عنيفة مثل هذه، وعلى حساب التحبيب الشديد للعيون، تمكنت من رسمها في العديد من الحالات المزاجية، وفي رأيي فإن الصور التي تمكنت من الحصول عليها قد عوضت معاناتي بشكل كبير.

أحيانًا يكون التأثير الأخلاقي لمثل هذه العواصف غريبًا، وينتج عنه نوع من الهلوسة المؤقتة التي تثير الفضول لقد علقت في عاصفة منذ بعض الوقت، وكان لها هذا التأثير الغريب على كل من حصاني ونفسي كنا نركب فوق جزء قاسٍ من الصحراء، متموج قليلاً، مع "خور" أو أخاديد متآكلة بالمياه هنا وهناك خلال دوامة رملية كثيفة، فقدنا الإتصال ببعضنا البعض ووجدت نفسي وحدي، في جميع الاتجاهات كان هذا الحجاب الغباري الدافع، والذي كان له تأثير تشويه كل شيء، أصبحت الصخور جبالًا وظهرت شجيرة فقدت كل فكرة عن المسافة، ووقوفًا على التل الصغير الذي بحثت منه عن بقية مجموعتي، ربما كنت خارج الكون أشهد صراع العناصر في الفوضى الأصلية.

كان حصاني مرعوبًا أو غبيًا ورفض التحرك، لذلك، نزلت وحاولت قيادته من رأسه، لكنه مع ذلك لم يتحرك، وقررت ركوبه مرة أخرى وأثناء قيامي بذلك قفزت فوقه مباشرة، وسقطت على الجانب الأيمن، فقد تشوه إحساسي بالتناسب عندما وجدت بقية المجموعة في النهاية، بدوا وكأنهم على بعد أميال، على الرغم من أنهم كانوا بحجم العمالقة، ولم يتوقف الوهم إلَّاعندما اقتربت منهم لقد مررت بالعديد من عواصف الصحراء، لكن هذه كانت المناسبة الوحيدة التي حدثت فيها مثل هذه السلسلة من الظواهر الغريبة والأوهام، ربما بسبب التعب الشديد.

على عكس مثل هذه التجارب، ما أهدأ الليالي في الصحراء! الهواء بارد وصافٍ، والنجوم تبدو كبيرة وقريبة بشكل غير عادي، بينما الصمت بدا كما لو أن الطبيعة حبست أنفاسها!

العلاقات الإجتماعية

العلاقات الاجتماعية للبدو بسيطة كل قبيلة يحكمها شيخها، "أب" العائلة، الذي تكفي رغبته المعلنة لضمان تنفيذ أي خطة، أو لمنع أي عمل لا يوافق عليه، ومن المدهش رؤية الاحترام والتقدير اللذين يُنظر بهما إلى "الشيخ" من قبل أبنائه ورجال قبيلته.

كما يجب على الغريب احترام آدابهم بدقة إذا أراد تجنب الاحتكاك، لقد عرفتُ حالاتٍ لا يمكن فيها اعتبار أي إغفال أو تقصير من جاهل تجاه الضيف إلَّا تجاهلًا مهينًا لمشاعرهم وتقاليدهم، على سبيل المثال لا ينبغي لأحد أن يرفض "الوجبة الخفيفة" التي يقدمها مُضيفه ، ولا ينبغي له الاقتراب من خيمة دون أن يعلن عن نفسه من مسافة بعيدة، حتى يُتاح للنساء الوقت للانصراف قبل أن يظهر الغريب، إن الاستفسار عن أحوال الزوجة أو الابنة هو أسوأ أنواع سوء الأدب، حتى لو لم يُنظر إليه على أنه إهانة، ولا ينبغي لك التعبير عن الإعجاب أو الثناء على أي شيء حي، دون إضافة دعاء "ما شاء الله (حفظه الله من الشر)، وبالتالي تجنب النتائج الكارثية "للعين الشريرة".

وبالمثل، فإن خيمتك مقدسة، ولن يدخل أحد دون دعوة، إلَّا كخادم لك في أداء بعض المهام الضرورية، على الرغم من أن الجميع سيستجيبون بلهفة لدعوتك للتحلُق حول الموقد ليلًا، والتحدث أو التأمل حسب مزاجك، يا لها من صورة حيث يدخل أصدقاؤك واحدًا تلو الآخر كالأشباح من خلال الدخان ويجلسون حول النار "مُسَلِّمين"، بملامحهم الداكنة وأرديتهم الوافرة تخففها الظلمة من ورائهم، حيث يتلألأ غطاء رأسهم المصنوع من "الكوفية" ذات الألوان الزاهية و(العقال) ([3]) المُرصَّع بالذهب في الضوء الخافت، أحيانًا تكون المحادثات التي تلت ذلك مثيرة للاهتمام للغاية، أوحكايات المغامرة والتقاليد الرومانسية للقبيلة التي يسعدون بسردها.

الكتب قليلة وهم يفتقرون عمليًا إلى التعليم، ويتم الحفاظ على تاريخ عِرقهم عن طريق النقل الشفهي من جيل إلى جيل، عادةً في شكل شعر أو أغنية

بينما كنت ضيفًا على الشيخ منصوربن نصر الله، زعيم عرب النفيعات، أتيحت لي الفرصة لسماع إحدى هذه الأغاني، التي تستحق بعض الوصف كنا جالسين في خيمة الشيخ، وكان جميع زعماء القبيلة حاضرين للاستمتاع بهذه الرواية عن بسالة أسلافهم.

كان الشاعررجلاً عجوزًا، أشيب اللحية وذابلًا، وكان برفقته ابنه الذي سيخلفه كان كل منهما يحمل آلة موسيقية ذات وترين تُعزف بقوس، تُسمى "الكمنجة" ( الربابة) وبعد أن نجح من خلال العديد من المقدمات في إثارة حماس جمهوره، بدأ الشاعر "أغنية النفيعات".

بدأ النشيد بمصاحبة  آلة غريبة على "الكمنجة"، عزف عليها الصبي ، وبدأ مثل تنهد الريح في الأشجار، أو صوت اكتساحها عبر الصحراء عندما تهب الرمال برفق عبر الأشواك، وازداد حجمه تدريجيًا، ومع تنوع لا نهائي في لحنه الافتتاحي، أدى تصاعد تدريجي إلى بدء الأغنية نفسها.

تصف الأسطورة التي تعود إلى أجيال نمو القبيلة الأم إلى قوة في بلاد ما بين النهرين وكيف قرروا لاحقًا عندما كثرت الجمال والخيول والمحاربون الشجعان غزو تونس، وقد تم التأكيد على كل مزاج متغير من خلال المصاحبة، وبدا المرء وكأنه يسمع ركوب الرسل المسرعين لإستدعاء عائلات بعيدة ، حتى ضاع صوت حوافر خيولهم في ريح الصحراء.

على الفور من بعيد، جاء صوت جحافل تتجمع وبلغ رعد اقترابها ذروته بتحيتهم الجامحة للشيخ الذي جُمعوا تحت رايته.

ثم وُصفت أحداث الأشهر الطويلة من رحلة الصحراء: الحر، والعطش، والجوع والغبار نهارًا، والصمت الأبدي لضوء النجوم الذي لا يكسره إلَّا عواء الذئب أو ابن آوى البعيد، وتزايد القمر وتناقصه ، أو إثارة وغارات المسيرة ، كلً على حدة ، بالصوت والمرافقة مُمثلة بيانيًا، استمر هذا ساعة بعد ساعة، حتى بعد أربع ساعات من الانتباه الشديد، منعني التعب من الاستماع إلى خاتمتها، وفي منتصف الليل تقاعدت ملحمة رائعة مُقدمة بشكل رائع، واستغرقت حوالي ثماني ساعات في أدائها، شكلت موضوعًا رائعًا للكاتب المسرحي أو الملحن .

هذا المنصب لشاعر القبيلة وراثي يساهم كل فرد من أفراد القبيلة في دعم الشاعر ويتم تعليم أبنائه منذ الصغر تخليد أغانيهم وأساطيرهم.

على الرغم من أن حياتهم البدوية تتعارض مع التعليم، إلَّا أن البدو يدركون تمامًا مزاياه، وسرعان ما يكتسبون فتات المعرفة من أولئك الذين يقابلونهم في تجوالهم، لقد أذهلني الذكاء الذي يدركون به النقطة البارزة في أي مسألة قيد المناقشة، واهتمامهم بالبلدان وظروف الحياة الغريبة عليهم تمامًا، مسلمون من الطراز الرفيع يمارسون ما هو صالح في دينهم، ويبدو أنهم لا يستفيدون إلَّا قليلاً من رخصته ،رجولة وشجاعة ويمتلكون العديد من الفضائل وكرم ضيافتهم عظيم، وصداقتهم قيّمة، يحتقرون أي شخص يقبل "الرد بالمثل"، ويكرهون الكذب، وحياتهم مستقيمة وفقًا لمعتقداتهم، بينما كرامتهم وأدبهم يثيران الإعجاب بشعور من النبل والقوة أعداء أقوياء لكنهم أصدقاء أفضل، إنهم من بين نبلاء الطبيعة، وقد يكون مسرورًا بمن يقولون عنه: "إنه صاحب مقبول".([4])



 



[1]ـ الجمل العربي أو الهجين العربي هو جمل السباق، الذي يربيه البدو خصيصًا لهذا الغرض. من الأخطاء الشائعة افتراض وجود سنامين في الجمل العربي مقابل سنام واحد للجمل. جميعها جمال، والنوع ذو السنامين هو الجمل ذو السنامين في السهوب الآسيوية .

[2] ـ وشاح ملون يُستخدم كغطاء للرأس، وهو ملفوف حول الطربوش.

 

[3] ـ شريط من شعر الماعز المُضفَّر، غالبًا ما يكون مربوطًا بـ "حلقات" ذهبية، يُستخدم لتثبيت الكوفية على الطربوش.

 

[4] ـ صاحب مقبول" تعني "صديق مقبول"، وتُطبق كلمة "مقبول" على عملة المملكة، أو أي صك أو وثيقة تحمل علامة الضمان الرسمي.

 

#buttons=(قبول!) #days=(20)

موقعنا يستخدم ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتعزيز تجربتك. المزيد
Accept !